ابن أبي الحديد
46
شرح نهج البلاغة
والثاني إن هذا الصانع له صفة ، لأجلها يصح على ذاته أن تكون قادرة عالمة ، وهذا هو المعنى بوجوده . فان قلت أيقول أصحاب شيخكم أبى هاشم إن الذات المعدومة التي لا أول لها تسمى قديمة ؟ قلت لا ، والبحث في هذا بحث في اللفظ لا في المعنى . والمراد بقوله عليه السلام ( الدال بحدوث الأشياء على قدمه ) ، أي على كونه ذاتا لم يجعلها جاعل ، وليس المراد بالقدم ها هنا الوجود لم يزل ، بل مجرد الذاتية لم يزل . ثم يستدل بعد ذلك بحدوث الأشياء على أن له صفة أخرى لم تزل زائدة على مجرد الذاتية ، وتلك الصفة هي وجوده فقد اتضح المراد الان . فان قلت فهل لهذا الكلام مساغ على مذهب البغداديين قلت نعم إذا حمل على منهج التأويل بان يريد بقوله ( وبحدوث خلقه على وجوده ) ، أي على صحة ايجاده له فيما بعد ، أي اعادته بعد العدم يوم القيامة ، لأنه إذا صح منه تعالى احداثه ابتداء صح منه ايجاده ثانيا على وجه الإعادة ، لان الماهية قابلة للوجود والعدم ، والقادر قادر لذاته ، فاما من روى بحدوث خلقه على وجوده ، فإنه قد سقطت عنه هذه الكلف كلها والمعنى على هذا ظاهر ; لأنه تعالى دل المكلفين بحدوث خلقه على أنه جواد منعم ، ومذهب أكثر المتكلمين انه خلق العالم جودا وإنعاما وإحسانا إليهم . قوله عليه السلام ( وباشتباههم على أن لا شبه له ) هذا دليل صحيح ، وذلك لأنه إذا ثبت أن جسما ما محدث ، ثبت أن سائر الأجسام محدثة ; لان الأجسام متماثلة ، وكل ما صح على الشئ صح على مثله ، وكذلك إذا ثبت أن سوادا ما أو بياضا ما محدث ، ثبت أن سائر السوادات والبياضات محدثة ، لان حكم الشئ حكم مثله ، والسواد في معنى